عبد الرحمن بدوي
13
أرسطو عند العرب
كلّه ، وليس مانع يمنعه من أن يكون عنه ، ولا حدث حادث في حال ما أحدثها ؛ إذ كان جميع ما يحدث ، إنما يحدث عنه وليس شئ غيره يعوقه أو يرغّبه ولا يمكن أن نقول : قد كان لا يقدر أن يكون عنه فقدر - لأن ذلك يوجب الاستحالة ، ويوجب أن يكون شئ آخر غيره هو الذي أحاله . وإن قلنا إنه منعه مانع ، يلزم أن يكون سبب المانع أقوى . وحدوث الحركة ليس يكون إلا بحركة . فيجب أن يكون قبل الحركة حركة : لأن الاستحالة والتغير والفتور إنما هي من أنواع الحركة . ولا بد من أن يكون جسم من الأجسام هو الذي يتحرك . فإن قلنا إن ذلك الجسم لم يحدث ، لكنه تحرك عن سكون ، وجب أن نخبر بالسبب الذي له تغير من السكون إلى الحركة . فإن قلنا : إن ذلك الجسم حدث ، تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة . فإذ قد بان أن الحركة والزمان أزليان ، فالجسم أزلي . وإن كان العرض كذلك ، فبالحرىّ أن يكون الجوهر كذلك . والحركات : إما مستقيمة ، وإما مستديرة - والاتصال لا يكون إلا فيها « 1 » ، لأن المستقيمة تنقطع . والاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية . فإن الذي سكن ليس بأزلى . ونقول إن الزمان متصل لأنه لا يمكن أن يكون قطع منه مبتورة . فيجب من ذلك أن تكون الحركة متصلة . فإن كانت الحركة المستديرة هي وحدها متصلة ، فيجب أن تكون هي الأزلية ، فيجب أن يكون محرّك هذه الحركة أزليا . لأن علة الأزلية يجب أن تكون أزلية ، إذ لا يكون ما هو أخسّ علة لما هو أفضل . فيجب أن يحرّك تحريكا دائما . فإنه إن كان محرّكا لكن ليس تحريكه بدائم ، فتحريكه لا يكون أزليا ؛ وهذا لا يمكن أن يكون . فيجب إذن أن لا ننتفع « 2 » بجواهر أزلية ساكنة كالصور . فإذن لا ينبغي أن نضع هذه الطبيعة بلا فعل ، ولا متعطلة ، لكن قادرة أن تحرك وتحيل . فإنه لا يمكن أن المبدأ الأول موجود في طبيعته ما هو بالقوة . لأنه يلزم من هذا أن يحتاج ذلك المبدأ إلى مبدأ آخر هو بالفعل ، حتى يخرجه إلى الفعل . فيجب إذن أن يكون مبدأ موجود في الأشياء الموجودة ، الجوهر فعله ، فيكون أزليا ، ولا يشوبه شئ من الهيولى ، إذ ليس في طبيعته ما بالقوة . ولا يجب أن نظن أن القوة قبل الفعل : لأن الفعل هو المخرج لما بالقوة إلى الفعل . فإنه
--> ( 1 ) أي المستديرة . ( 2 ) لعل الصواب : نقتنع أو نقنع .